البنك المركزي التونسي يشدّد قبضته على السيولة:  اختبار جديد بين كبح التضخم وحماية التمويل

قرّر البنك المركزي التونسي الترفيع في نسبة الاحتياطي

الإجباري الموظّف على الحسابات الجارية وغيرها من المبالغ المستحقة للحرفاء من 1 بالمائة إلى 3 بالمائة، بداية من غرة نوفمبر 2026 وذلك في خطوة تعكس عودة الضغوط التضخمية إلى واجهة الأولويات النقدية.  يأتي القرار الصادر بمقتضى المنشور عدد 2026-11 المؤرخ في 9 أكتوبر في سياق اقتصادي تتقاطع فيه تحديات استقرار الأسعار مع محدودية السيولة المصرفية وتزايد الضغوط على التوازنات الخارجية.

لا يتعلق الأمر بتعديل تقني معزول في قواعد العمل المصرفي بل باستخدام إحدى الأدوات التقليدية للسياسة النقدية بهدف التأثير في حجم الأموال المتاحة للبنوك فرفع نسبة الاحتياطي الإجباري يعني إلزام المؤسسات المصرفية بإيداع حصة أكبر من بعض ودائع الحرفاء لدى البنك المركزي، بما يقلّص الجزء الذي يمكن توظيفه مباشرة في أنشطتها التمويلية. عملياً ستنتقل الأموال الواجب تخصيصها للاحتياطي من 10 ملايين دينار إلى 30 مليون دينار مقابل كل مليار دينار من الودائع المعنية، أي بزيادة قدرها 20 مليون دينار لكل مليار.

لا يشمل التعديل حسابات الادخار والودائع لأجل وشهادات الإيداع التي بقيت خاضعة لنسبة صفر بالمائة وفق الجدول الجديد.

تبرز أهمية القرار عند وضعه في سياق تطور الأسعار. فقد ارتفع معدل التضخم في تونس إلى 5.6 بالمائة خلال سبتمبر 2026، مقابل 5.4 % في أوت وفق المعطيات التي عرضها مجلس إدارة البنك المركزي. ويخفي هذا المعدل العام تفاوتاً واضحاً بين مكونات سلة الاستهلاك؛ إذ بلغت الزيادة السنوية في أسعار المنتجات الغذائية الطازجة 13 بالمائة، بينما استقر التضخم الأساسي، باستثناء المواد الغذائية الطازجة والمنتجات ذات الأسعار المؤطرة، عند 5.1 % للشهر الثالث على التوالي. وتكشف هذه الأرقام أن الضغط على القدرة الشرائية لا يزال قائماً، رغم التراجع الكبير للتضخم مقارنة بمستوياته القياسية المسجلة سنة 2023.

في هذا الإطار اختار البنك المركزي تشديد شروط السيولة دون الترفيع في نسبة الفائدة المديرية التي أبقاها مجلس إدارته عند 7 % خلال اجتماعه المنعقد يوم 7 أكتوبر ويعكس هذا الاختيار توجهاً نحو التأثير في الكميات المتاحة للإقراض، بدلاً من زيادة سعر التمويل المرجعي للاقتصاد بأكمله غير أن نجاح هذه المقاربة يظل رهيناً بمدى استجابة البنوك وبطبيعة الطلب على القروض، فضلاً عن قدرة السياسة النقدية على التأثير في مصادر التضخم التي لا ترتبط جميعها بحجم السيولة.

فارتفاع أسعار الغذاء والطاقة على سبيل المثال قد يستمر حتى عندما تتراجع السيولة المتاحة إذا كانت أسبابه مرتبطة بكلفة الإنتاج أو العرض أو التوريد. وتزداد هذه المسألة أهمية في ظل ارتفاع فاتورة واردات الطاقة إلى 11.3 مليار دينار في الأشهر الثمانية الأولى من 2026 مقابل 8.8 مليار دينار خلال الفترة نفسها من السنة الماضية كما بلغ عجز الحساب الجاري 4.694 مليار دينار، أي ما يعادل 2.5 % من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 1.6 % قبل عام.

أما على مستوى البنوك والمؤسسات الاقتصادية فإن تجميد حصة إضافية من الودائع قد يرفع كلفة الموارد المتاحة ويحدّ من هامش التمويل، خصوصاً لدى المؤسسات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الحسابات تحت الطلب. وقد تنعكس هذه الكلفة بحسب ظروف كل بنك، على شروط منح القروض أو أسعارها أو حجم التمويلات الجديدةوفي المقابل لا يعني القرار بالضرورة تراجع الإقراض بالمقدار نفسه لدى جميع البنوك، إذ تختلف آثار الإجراء باختلاف هيكلة الودائع ومستوى السيولة وحاجات المؤسسات إلى التمويل.

تزداد حساسية هذا التوازن في اقتصاد لم يتجاوز نموه 2.3 بالمائة خلال الربع الثاني من 2026 مقابل 2.6 % في الربع السابق وفق البنك المركزي. فالتشدد النقدي مطلوب لاحتواء الضغوط على الأسعار لكنه يحتاج إلى معايرة دقيقة حتى لا يضيف عبئاً غير ضروري على الاستثمار والإنتاج وهما من الشروط الأساسية لتحسين العرض ومقاومة التضخم بصورة مستدامة.

في المحصلة لا يُقاس نجاح قرار الاحتياطي الإجباري بمجرد رفع النسبة من 1 إلى 3 % بل بما سيحققه فعلياً من استقرار للأسعار دون إضعاف قدرة الاقتصاد على التمويل والنمو.

ستكون المؤشرات الحاسمة خلال الأشهر المقبلة هي تطور التضخم وحجم إعادة تمويل البنوك، وشروط إسناد القروض، ومسار النشاط الاقتصادي.    ان استقرار الأسعار ليس غاية منفصلة عن النمو كما أن توفير السيولة وحده لا يصنع نمواً سليماً والتحدي الحقيقي أمام السياسة النقدية التونسية هو إيجاد التوازن بين اقتصاد لا يحتمل استمرار تآكل القدرة الشرائية، ومؤسسات لا تستطيع توسيع الإنتاج والاستثمار إذا أصبح التمويل أكثر كلفة.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115